الخطيب الشربيني
585
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أسلم ولها أولاد ثلاثة : أحدهم رضيع فقال لها الملك : ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار فأبت ، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار ، ثم قال لها : ارجعي فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع فقال لها الصبي : يا أمّاه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على الحق ولا بأس عليك فألقي الصبي في النار ، وألقيت أمّه على أثره . وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال : هم أهل كتاب ، وكانوا متمسكين بكتابهم ، وكانت الخمر قد أحلت لهم ، فتناولها بعض ملوكهم فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج ، فقالت له : المخرج أن تخطب الناس فتقول : يا أيها الناس إنّ الله تعالى أحل لكم نكاح الأخوات ، ثم تخطبهم بعد ذلك : إنّ الله تعالى حرّمه . فخطب فلم يقبلوا منه فقالت : ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا ، فأمرت بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها ، فهم الذين أرادهم الله تعالى بقوله : أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وعن مقاتل : كانت الأخاديد ثلاثة : واحدة بنجران باليمن ، وأخرى بالشام ، وأخرى بفارس حرقوا بالنار ، أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي ، وأما التي بفارس فبختنصر ، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس . فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا ، وأنزل في التي كانت بنجران . وذلك أنّ رجلا مسلما ممن يقرأ الإنجيل أجر نفسه في عمل وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه فرآه فسأله فلم يخبره ، فلم يزل به حتى أخبره بالدين وبالإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا ما بين رجل وامرأة ، وهذا بعد ما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخدّ لهم في الأرض ، وأوقد فيها فعرضهم على الكفر ، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار ، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه ، وأنّ امرأة جاءت ومعها صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار ، فضربت حتى تقدّمت فلم تزل كذلك ثلاث مرّات ، فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها يا أمّاه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعا أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة . فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا فذلك قوله تعالى : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ . وقوله تعالى : النَّارِ بدل اشتمال من الأخدود . وقوله تعالى : ذاتِ الْوَقُودِ وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس ، واللام في الوقود للجنس . وقوله تعالى : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ظرف لقتل أي : لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها ، ومعنى عليها على ما يدنوا منها من حافات الأخدود كقوله « 1 » : وبات على النار الندى والمحلق وكما تقول : مررت عليه تريد مستعليا المكان الذي يدنو منه ، فكانوا يقعدون حولها على الكراسي . وقال القرطبي : عليها . وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم يرجعوا عن
--> ( 1 ) صدره : تشبّ لمقرورين يصطليانها والبيت من الطويل ، وهو للأعشى في ديوانه ص 275 ، والأغاني 9 / 111 ، وخزانة الأدب 7 / 144 ، وشرح شواهد المغني 1 / 303 ، ولسان العرب ( حلق ) ، وبلا نسبة في مغني اللبيب 1 / 101 ، 143 .